الأربعاء، 26 أغسطس 2020

دقة ‏اللفظ ‏وثراء ‏اللغة ‏العربية

دقة ‏اللفظ ‏وثراء ‏اللغة ‏العربية


دقة ‏اللفظ ‏وثراء ‏اللغة ‏العربية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم
الدين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين خاتم الأنبياء وإمام المرسلين المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ملته وسنته 
إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين وبعد:

أحببت أن أتطرق إلى هذا الموضوع عن اللغة العربية الخالدة باعتبارها لغة القرآن الكريم الخالد الذي تكفل ربنا بحفظه إلى يوم الدين بقوله تعالى:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون... 
إن الدقة في ألفاظ لغتنا وثرائها أمر واضح ومدهش سوف لا أتحدث الآن عن مترادفات ألفاظها ولا عن الأشياء شبه المتماثلة بألفاظ محددة ودقيقة لاتوجد مثلها في لغات أخرى من لغات البشر سأتحدث عنها في مواضيع آتية بإذن الله. 
سأتحدث اليوم عن موضوع يخص بلاغة القرآن وهو كيفية إلقاء المتكلم الخبر للمخاطب:حيث كان الغرض من الكلام الإفصاح والإظهار يجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض يشخص حالته ويعطيه مايناسبها فحق الكلام أن يكون بقدر الحاجة لا زائدا عنها لئلا يكون عبثا ولا ناقصا عنها لئلا يخل بالغرض وهو "الإفصاح والبيان". 
وبهذا تختلف صور الخبر في أساليب اللغة بإختلاف أحوال المخاطب الذي يعتريه ثلاثة
أحوال:


أولاً:أن يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر غير مترددٍ فيه ولامنكر له في هذه الحالة لا يؤكد له الكلام لأن المتكلم سيتقبل الخبر فيتمكن فيه 
(كقوله تعالى ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا

ثانياً:أن يكون المخاطب متردداً في الخبر طالباً الوصول لمعرفته والوقوف على حقيقته فيستحسن تأكيد الكلام الملقى إليه تقويةً للحكم ليتمكن من نفسه نحو: إنّ الأمير منتصرٌ
فأُكِدَ الخبر بمُؤَكِّد واحد.
ثالثاً: أن يكون المخاطب مُنكِرَاً للخبر الذي يراد إلقاؤُه إليه معتقداً خلافُهُ فهنا يُؤَكَّد له الكلام بمُؤَكِّدين أو أكثر على حسب حاله من الإنكار قُوَّةً وضعفاً نحو :إنَّ الحقَ يعلو ولا يُعلى عليه/إنَّ الحقَّ لَيعلو ولا يُعلى عليه/لعمري إنَّ الحقّ ليعلو ولا يُعلى عليه
إذن الكلام يُخرَج على مقتضى ظاهر الحال
ومثال على ذلك ماورد في القرآن الكريم في سورة (يس) لما روى قصة أصحاب القرية وإرسال الرسل إليهم فترددوا في قبول الرسالة فقالوا (إنَّا إليكم مرسلون) فأكَّدوا الكلام بمؤكد واحد وهو (إنَّ) حرف مشبه بالفعل حرف نصب وتوكيد 
فلما أنكروا رسالة الرسل قال لهم الرسل( ربنا يعلم إنَّا إليكم لمرسلون) أكَّدوا لهم الكلام بأكثر من مؤَكِّد وهي إنّ و لام التوكيد على خبر إنّ والقسم. 
ومما يؤثر في هذا المجال ومما ورد في فقه اللغة للثعالبي :قيل لأبي العباس المبرد :إنّ في كلام العرب حشواً( والحشو هو فضل الكلام الذي لاخير فيه) فإنَّهم يقولون عبدُ اللّه قائم ثم يقولون:إنَّ عبدَالله قائمٌ ثم يقولون :إنَّ عبدَالله لقائم فالألفاظ متكرِّرةٌ والمعنى واحد فقال : بل المعاني مختلفة 
فقولهم :عبد الله قائم، إخبارٌعن قيامه، والمخاطب خالي الذهن متقبلاً للخبر 
 قولهم : إنَّ عبد الله قائم خبر يلقى مؤكد بمؤكد واحد للمخاطب المتردد الشاك في الخبر  وقولهم إنَّ عبد الله لقائم رد على منكر لذلك أُكِّدَ الخبر بمؤَكدين وقد يؤكَّد بأكثر حسب درجة الإنكار 
وهكذا تتجلى الدقة الثراء والبلاغة في لغتنا العربية الجميلة

    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سيتم نشر تعليقكم بعد الموافقة عليه شكراً لكم